ابن سعيد علي بن موسى الأندلسي
44
المقتطف من أزاهر الطرف
الأحيان يخطر بفكرتى قول القائل : من ألّف فقد استهدف ، فيحملنى على ألا أضيف شيئا . فقال : يا سبحان اللّه : لم تقتض ذلك الحكمة التي ظهرت في بناء الماضي للآتي ، وتصنيف السالف للخالف ، وإنما ذلك قول عاجز أراد أن يعجز المصنفين ، كما أن البخيل أراد أن يبخل الناس ، فقال ! إن الصنيعة لا تكون صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع . وأنت إذا استفزك ذلك المعجز بتلك اللفظة ، وثناك عن قصدك ، كنت قد ضيعت مقدار نفسك في هذه الصناعة ، وكتمت من علمها ما أمرت بإظهاره . وقد جاء في صحيح مسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا ينبغي لمن عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه » . ثم قال : وبعد هذا كله فكم تقدر من سفر في الكتابين اللذين أوصاك والدك بتكميلهما ؟ قلت : مع الاختصار يكونان من عشرة أسفار . قال : هذا مصنف ملوكى لا ينسخه إلا ملك أو من له همة ملوكية وقليل ما هم ، ولكن إن أردت أن تكمل مصنفاتك في عمرك ، وتجول في الأقطار في حياتك وتذكر بها بعد وفاتك ، فاعتمد على قول ابن عباس رضى اللّه عنه : العلم أكثر من أن يؤتى على آخره ، فخذوا من كل شيء أحسنه . وقد قال يحيى بن خالد « 1 » : الناس يكتبون أحسن ما يسمعون / ويحفظون أحسن ما يكتبون ، ويحدثون بأحسن ما يحفظون ، فاعزم على أن تثبت في طيارات مصنفاتك أحسن ما تحفظ ، إن الشئ عندك كثير ، فإن استوفى أمد حياتك تصنيف ما رسم لك من هذا ، وكانت فيه فضله لما بقي ، استدركت بالغربلة الثانية أو الثالثة ما تريده على حسب انفساح العمر ، ونوع أجناسه ، لينفرد كل مصنف بفن يستوفى ملح أغراضه . فقد قال عتبة بن أبي سفيان لمعلم ولده « 2 » : ولا تخرجهم من علم إلى علم فإن ازدحام العلوم في السمع مضلة
--> ( 1 ) أبو الفضل يحيى بن خالد البرمكي وزير هارون الرشيد . توفى في محبسه بعد نكبة البرامكة عام 190 ه وهو بن سبعين سنة . انظر الوفيات 6 / 219 - 229 . ( 2 ) عبد الصمد بن عبد الأعلى الشيباني هو معلم أولاد عتبة بن أبي سفيان . وجاء نص الوصية في البيان والتبين 2 / 73 .